صرختُ فيها:
_ قلت تعالي
أجابت وأمتار كثيرة تفصلها عني:لكن عندهم مكياج يبيعونه.
وعندما أصررت أن تتبعني وعدتني بأنها سوف تفعل بعد قليل.
كنا عائدتين من المدرسة عندما استوقفتها صبحة نغموش وبرفقتها وداد عنتر .. وكنت قد تجاوزتهن وأنا أحمل حقيبتي المدرسية الثقيلة كالعادة وكانت شقيقتي الصغيرة لا تزال تقف في الشارع القائظ والفتاتان تحدثانها عن مساحيق التجميل التي تمتلكها فاطمة عنتر والتي يخلو منها منزلنا تماماً.. بدت شقيقتي مهووسة بتجربة تلك المساحيق منذ أن أغرتها الفتاتان بشرائه.
لم نكن نختلط بعائلة نغموش بسبب سوء سلوك أبنائهم ومشاكلهم مع الشرطة ولأنهم لم يكونوا جيراننا فعلياً فبيتهم يفصله شارعان عن بيتنا.
ومع ذلك كنت أحترم ميّاء نغموش شقيقة صبحة والتي كانت في عمري تقريباً.. فتاة وحيدة وبلا صديقات بسبب خجلها الشديد ولعدم تفوقها الدراسي إضافة إلى لون بشرتها السوداء التي ضاءلت من حجم صداقاتها في بيئتنا العرقية.. كنت أكتفي بتبادل الابتسامات معها في المدرسة أوفي الباص .. لكن صبحة على عكس أختها لم تجعل من لون بشرتها يقف عائقاً أمام تكوين صداقاتها .. في حين كانت والدة وداد عنتر سيدة مصرية ذات بشرة بيضاء ولامعة .. لم أرها عن قرب لكن هكذا وصفتها شقيقتي .. وهذا ما جعل ابنتها تكتسب بشرة خلاسية ضاربة إلى الحمرة وعينين عسليتين رغم أن شعرها ذا اللون البني بقي مجعداً كما هو.
تأخرت شقيقتي كثيراً .. الأمر الذي دفعني لأن أقلق عليها وأراقب الباب في كل مرة علّها تدخل.
ازداد توتري وخفت أن يكون قد أصابها مكروه.. أمي ليست في المنزل وأبي في عمله .. أقسمت بأن أعاقب شقيقتي حين تعود .. انتظرتها قرب الباب الخارجي وعندما لمحتها من بعيد آتية تنهدت في ارتياح.. قطبت جبيني كي تعلم مدى غضبي .. حين اقتربت أكثر بدت شاحبة .. سألتها بحزم عن سبب تأخرها فأجابت بأن الفتاتين كانتا تجربان وضع المساحيق على وجهها في بيت وداد عنتر .. كانت ثمة بقايا ملونة على وجهها ومع ذلك لم أصدقها .. أمرتها بأن تتبعني إلى إحدى الغرف .. أغلقت الباب ونظرت إلى عينيها آمرة إياها بحزم أن تخبرني عن السبب الحقيقي لتأخرها المريب .. عندئذ دمعت عيناها .. وسرعان ما أجهشت في بكاء مفاجئ .. سألتها عما أصابها.. رفعت يديها وغطت وجهها من شدة الخجل وهي تخبرني بأن الفتاتين أخذتاها إلى إحدى الغرف وأقفلتا الباب لتمنعاها من الخروج ثم جردتاها من بعض ثيابها و .....!
قالت بأنها صرخت باكية وهي تحاول أن تقاومهما لكنهما كانتا أقوى منها .. لقد ضحكتا عليها كثيراً قبل أن تنهيا فعلهما المشين وحذرتاها من أن تخبر أحداً بالأمر.
شقيقتي التي تجلس قبالتي ليست أكثر من طفلة في العاشرة أو أصغر بقليل وأنا أختها الكبرى التي تدرس في المرحلة المتوسطة .. أتأملها لأصف تفاصيلها بدقة .. مجرد فتاة نحيلة ذات بشرة فاتحة وشعر كستنائي قصير .. كان شعرها الحريري الذي ينسدل برفق حتى كتفيها أكثر ما يلفت الانتباه إليها وهو يلمع تحت ضوء الشمس .. حتى أن إحدى الفتيات في فصلها الدراسي كانت تحب أن تغمس أصابعها في ذلك الشعر قائلة: يا حظك.
هذه هي شقيقتي.. طفلة ذات ملامح ناعمة ورقيقة .. ربما أقرب لملامح الفتيات اليابانيات اللواتي يظهرن في الأفلام .. لذلك كنا نعايرها بذلك وكنا نطلق عليها اسم " أوشين " على اسم بطلة مسلسل ياباني كانت تحمل ذات الاسم " أوشين" .. وقد التصق بها لمدة من الزمن وكنت من باب السخرية أقول لها:
_ لا بد وأنه حدث خطأ ما في المستشفى فتم استبدال أختنا الحقيقية بك ..لا بد وأن أختنا المسكينة بحوزة أسرتك اليابانية الآن يا أوشين.
كان يغيظها كلامي وكانت مثلنا تحب المسلسل ولكن تكره أن نعايرها بـ " أوشين اليابانية " غير أنها لم تكن تجرؤ على خوض عراك معي فأنا أكبر منها وأملك من السلطة والقوة البدنية ما لا تملك.. في الحقيقة لم أخبرها ولا مرة بأنها تشبه أمي قليلاً كي تظل تعيش في شكوكها المضحكة.
شعرت بصدري يغلي كالمرجل وأنا أنصت إليها ثم أسألها عن بعض التفاصيل و أعود لأنصت من جديد ناظرة إلى وجهها الكئيب وعينيها الجوزيتين الغارقتين في الدموع وشهقاتها التي لم تتوقف.. أردت أن أعاقبها لأنها لم تسمع كلامي لكن مجرد رؤيتها منهارة ونادمة بهذا الشكل دفعني لأن أشفق عليها .. ثم إنني أيضاً كنت أتحمل جزءاً من اللوم بما أني تركتها في الشارع ولم أنتظرها لتتبعني.
كانت علاقة صبحة نغموش بوداد عنتر علاقة وطيدة منذ أن سكنت عائلة وداد عنتر في منطقتنا .. كانتا مجرد فتاتين في نهاية المرحلة الابتدائية ذات جسدين ممتلئين قابلين للسمنة.. كنت أرتاب في سلوكهما كثيراً وهما في هذه السن الصغيرة وفي طريقتهما المخجلة لإظهار متانة صداقتهما.. وقد ازددت قناعة برأيي ربما بسبب ما كنا نسمعه عن المشاكل التي يثيرها إخوة صبحة أصحاب السوابق وأيضاً الشائعات التي طالت والدة وداد عن وجود علاقة آثمة بينها وبين شقيق زوجها في غيابه.. كان زوجها كثير الغياب وكانت أمها كثيرة الخروج من المنزل .. وكانت صبحة كثيرة الدخول إلى منزل وداد حيث يخلو لهما الجو لممارسة علاقتهما التي لم ينتبه إليها أحد على ما أظن.
طلبت من شقيقتي أن تبقي الأمر سراً بيننا وألا تطلع أبواي على الأمر لأنهما سيعاقبانها بشدة بما أنها ذهبت إلى منزل وداد عنتر بمحض إرادتها.
جلبت الهاتف وطلبت منها أن تضغط على أرقام منزل وداد وتطلبها وعندما فعلت أمسكت سماعة الهاتف .. قلت لها بنبرة مرحة يتخللها بعض الضحك كي لا أثير شكوكها :
_ هلا وداد .. كيف الحال ..أخبرتني أختي عن المكياج الذي عندك..أريد أن أشتري علبة .. نعم لدي المال ..ستأتين الآن؟ سوف أنتظركما أنت وصبحة .. اتفقنا؟ مع السلامة.
ومثلما استدرجتاها نحو وكرهما قمت باستدراجهما بالطريقة الخبيثة ذاتها .. قلت لشقيقتي :
_ عندما تجيئان تصرفي بطريقة عادية تماماً كي لا تثيري شكوكهما فتفلتان من العقاب.
هزت رأسها موافقة وذهبت لتنتظرهما ثم ما لبثت أن ركضت إلي تخبرني بمجيئهما.. خطوت نحوهما دون اندفاع وكلما تقدمت خطواتي كنت أشعر برغبة في تحطيم عظامهما.. كانتا تقفان قرب الباب وأسارير وجهيهما منفرجة وقد أشعرني ذلك بالاشمئزاز والقرف.. كانت علبة المكياج البلاستيكية في يد وداد .. ابتسمت لهما ثم طلبت منها أن تناولني العلبة لأتفحصها وعندما فعلت كنت قد هويت بها على رأسيهما وسرعان ما تهشمت بسبب هشاشتها وتناثرت أدواتها الرخيصة على الأرض .. كانت شقيقتي تراقب المشهد وهي مفزوعة من ردة فعلي وكانت الفتاتان المصدومتان أكثر فزعاً منها وهما تحاولان أن تتحاشيا بأيديهما يدي التي انطلقت تصفع وجهيهما دون رحمة وأنا أصرخ فيهما :
_ تلمسين أختي يا حيوانة؟ تلمسين أختي هاه؟ اتفووووووو
كانت صبحة من بصقت عليها .. لم تحاولا الدفاع عن نفسيهما بسبب رعبهما من هذا المخلوق المتوحش الذي صرت عليه .. لقد سمحت لغضبي أن يأخذ أقصى انفعالاته وجنونه .. حاولت أن أساوي بينهما في ضرباتي قدر ما أمكن .. حدث كل هذا في دقائق قليلة .. وعندما انتهيت بدأت باستخدام قدمي وركلتهما من مؤخرتيهما نحو الخارج قائلة:
_ برة يا حيوانة .. برة.. برة.. حيوانة.
اندفعتا نحو الباب بسرعة وركضتا وكأنهما في سباق للجري وأنا لا زلت على إثرهما أتابعهما بعيني عند الباب وأصرخ:
_ حيوانات .. كلاب.. سأريكم.
كانتا أثناء ركضهما كطيور الحجل تنظران إلى الخلف مخافة أن أتبعهما رغم أنهما ابتعدتا عدة أمتار.. أغلقت الباب واستدرت لأرى شقيقتي تنظر إلي بحذر خوفاً من أن يتحول غضبي العنيف إليها.
بدت وكأنها على وشك البكاء لكنها في الوقت نفسه كانت راضية عن العقاب الذي نالته صبحة ووداد على يدي.. كنت أتنفس بسرعة وصعوبة وكأنني ركضت لأميال.
في مساء ذلك اليوم أخبرني أبي بأن صبحة ووداد ذهبتا إليه ورفعتا شكوى ضدي، قالتا بأنني ضربتهما بشدة وكسرت علبة المكياج الجديدة دون أن أدفع ثمنها..وأنني فعلت ذلك دون سبب!
أخبرهما أبي بأنه سيتصرف معي.
عندما استجوبني على العشاء أخبرته بأني فعلت ذلك لأنهما ضربتا أختي وجعلتاها تبكي لذلك ضربتهما:
_ تستحقان ذلك.
لم أخبره بالسبب الحقيقي كي لا تتفاقم المشكلة مع ذوي الفتاتين اللتين ما كانتا لتنالا عقابهما كما نالتاه على يدي لأنهما حتماً ما كانتا لتعترفا بشيء.
ثم إنني ما كنت لأجرؤ على مفاتحته في موضوع كهذا.. فلطالما ظل الخوض في مسائل الجنس أمراً محصوراً في دائرة العيب والمحرمات.
لم تعد صبحة نغموش أو وداد عنتر تجرؤان على الاقتراب من شقيقتي ..وهي بدورها قاطعتهما و لم تعد تتحدث إليهما.
غير أنهما لم تكفا عن توجيه نظرات تشي بالكراهية نحوها كلما التقتا بها في المدرسة .. أو تتهامسان سراً كلما مرتا من أمامها قبل أن تشرعا في الضحك بمكر.
وعندما كانت تشكو إلي كنت أطلب منها أن تتجاهلهما.
ها قد مرت سنوات على انتقالنا من ذلك الحي وقد كبرنا وطمسنا السر الذي لم نفش به إلى أحد.. وانقطعت أخبار أغلب الجيران عنا تماماً.
بالأمس أخبرتني أختي التي كبرت وتجاوزتني طولاً بعدة سنتمرات وقد طال شعرها الذي لا يزال كستنائياً بأنها لمحت صبحة نغموش في مكان عام وقد ازدادت سمنة وقبحاً.. قالت ذلك بنبرة ملؤها الاحتقار رافعة إحدى حاجبيها ومرخية بالآخر.. نبرة تحمل في فمها ذكرى مالحة وكرهاً دفيناً!
كتبها مريم في 08:53 مساءً ::
4 تعليقات
في29,كانون الثاني,2008 - 01:47 مساءً, اسامه احمد كتبها ...
الاخت مريم
اطلعت على مذكراتك..(لست ادرى هى مذكرات ام هى مجرد قصه من نسج الخيال )ربما هى وقائع كثيرا ما تحدث...يحتاج الاطفال والمراهقون الى رعايه خاصه...للحديث عن الثقافه الجنسيه فى مجتمعنا دوى هائل خصوصا عن الاهل..رغم ان العكس هو الذى كان يجب ان يسود حيث ارى ان من واجب الاب او الام او الاخت الكبرى طرح مثل هذه المسائل دون ان يكون هناك حرجا فلئن تأخذ مثل هذه النصائح والمعلومات منك خيرا من ان تأخذها من الخارج بكل مغالاطاتها...اتمنى لك التوفيق
في30,كانون الثاني,2008 - 01:01 مساءً, مريم كتبها ...
مرحباً بك أسامة أحمد
القصة مع الأسف ليست من نسج الخيال بل من نسج الذاكرة التي لم تنس شيئاً من تفاصيل تلك الحادثة بعد.
رغم أن الحضارة الإسلامية كان لها السبق في الاهتمام بالثقافة الجنسية وذلك عبر المؤلفات العدية التي وصلت إلينا إلا أننا وفي هذا الحصر لا زلنا نحصر الجنس في التابو المحرم ونحصره في دوائر العيب والحرام .. ولا زال الكبار يعتقدون أنه من الخطأ أن يعرف الصغار شيئاً عن هذا السر الذي سيصل إليهم عبر مداخل أخرى قد تؤدي إلى نتائج خطيرة لها تأثيرها الضار على الأطفال.
كنت أختاً كبرى .. لكني لم أكن أكثر منها دراية بما تعرضت له .. كل ما فعلته هو أني انتقمت من الفتاتين التي تجاوزتا التابو بشكلٍ سبب لي الصدمة.
لك عذب التحايا
في19,شباط,2008 - 09:28 صباحاً, جسد .. حلت عليه الدهشة.. كتبها ...
مساؤكِ مختلف..
مساء الشمس..
سيدتي..
افتقدت بعض الأحداث بهذه القصة...وهذا ماجعلني أتأكد بأنها بدون زيادات..
مثلا..
عندما التفتت مريم الى اختها التي تتماثل للانهيار والبكاء..كانت تلك اللحظة سانحة لفرض عناق من الدرجةِ الدافئة...الملونة..
..
تسلسلك رائع .. وبنائك تؤخذ عليه بعض المخارج اللغوية...لكنه اعجبني..
كما اني سرقت من ثورتك على تلك المخلوقات.. ابتسامة..وربيع ..
اعجبتني الواقعية المريحة في النص..
..
ورد لقلبك..وربيع مختلف لتلك الطفلة ذات العشر سنوات..
تحياتي..
..
في20,شباط,2008 - 08:34 صباحاً, مريم كتبها ...
مرحبا بك أولاً
أعتقد بأن فكرة العناق لم تطرأ على بالي حينها لسبب بسيط وهو أنها كان يجب أن تشعر بأنها مسؤولة أيضاً عن الأذى الذي عرضت نفسها له.
بمعنى لو أنها طاوعتني وعادت إلى البيت ولم تذهب ثم حدث وأن تعرضت لأذى شبيه في تلك الحالة بإمكان العناق والطبطبة أن تظهرا بوضوح في الحدث.
أسعدني مرورك.
مريم
الاسم: مريم
