مكاناً قصيّا

الأحد,كانون الأول 30, 2007


على امتداد هذا الوطن العربي الكبير لن تجد سجناً واحداً نظيفاً أو ويخلو من كافة أشكال القمع والاضطهاد والتعذيب " النفس جسديّ " الرهيب غالباً  والذي يصل لحد إزهاق الروح عمداً وبشكلٍ وحشي لا يعرف الرحمة 

لا يمكن أن أحصر الكتب والسير الذاتية .. والروايات الأدبية التي تناولت عالم السجون والمعتقلات السياسية على يد الضحايا من الأدباء والمناضلين الأحرار الذين عايش غالبيتهم تجربة الاعتقال المريرة رجالاً أو نساء

من خلال تلك المؤلفات تم فضح وكشف الكثير من الخبايا القذرة لطبيعة الإنسان السياسي الذي اتضح بأنه لا ينام هانئاً إلا على صرخات ضحاياه وعبارة الغاية تبرر الوسيلة يرددها مئة مرة لجلب النعاس، أعني نعاس الضمير غير اللا أخلاقي

ولا يخلو معتقل من إقامة ما يسمى بـــ " الحفلة " وهو الاسم الحركي الذي يستخدمه زبانية التعذيب لحفلات تعذيبهم  المستمرة ضد أي موقوف ومعتقل حتى وإن لم يتعد الأمر مجرد " الشبهة " فقط!
أذكر أني لمحت كتاباً أعارته جارتنا المثقفة لأمي الغافلة عن القراءة بعد أن انفرط الوقت من يديها إلى الاهتمام ببيتها،أمسكت الكتاب بفضول والتهمته ورقة ورقة  رغم أني لم أفهم الكثير مما كان يحويه إلا أني أنهيت قراءته لتتداخل في رأسي آلاف الأسئلة المفجوعة فيما بعد


كانت رواية تحكي سيرة أحد الحكام ذوي النهج الديكتاتوري  .. رواية لم يعلق اسمها في ذاكرتي مثلما علقت فيها الأحداث المرعبة والتي انتهت بنهاية مأساوية أودت بحياة الأبطال الذين أحببتهم وتعلقت بهم .. الأبطال الذين لم يكن نصفهم أكثر من أطفال وكنت حينها فتاة لم يتجاوز عمرها الرابعة  عشر عاماً حين اطلعت عليها .. كانت الرواية التي فتحت عيني على الطريق .. الطريق إلى ما وراء الأكمة التي ما وراءها  .. ورغم أني نسيت عنوانها واسم المؤلف إلا أن الأبطال لا زالوا يسكنون هنا .. في قحف جمجمتي .. الأبطال الذين تغيرت أشكالهم وأعمارهم .. لكنهم بقوا أبطالاً كما هم ولم تتغير آلامهم وجراحاتهم وصرخاتهم المستنجدة

 

اسمه سالم .. أحد أبناء عمومتي البعيدين كما يقول أقاربي عنه .. كان واحداً من الشباب الذين تعرضوا لغسيل مخ ممن التحقوا بأفغانستان إبان الغزو السوفييتي ممنياً نفسه بالشهادة وربما الحور العين .. غير أنه عاد دون أن يموت .. فيما بعد تم اعتقاله من قبل السلطة في الإمارات بدءاً من العام 1994 .. وحيداً وعالقاً في زنزانة انفرادية دون محاكمة تدينه أوتوجيه تهمة محددة .. مضى على هذه الحال مدة ست سنوات بمعزل تام عن العالم الخارجي ..حتى تم الإفراج عنه ليعاد اعتقاله مجدداً في العام 2003 لمجرد الاشتباه بعد أحداث سبتمبر .. بقي هناك لأربع سنوات إضافية وخرج .. لم يعد هو نفسه .. كان أشبه بحطام متحرك على قدمين .. استقبلته عائلته بدموع الفرح ولكنهم لم يعرفوه .. كان رجلاً تخيفه أصوات الضجيج حتى وإن أتت على شكل ضحكات .. يخيفه الناس في الخارج .. يخاف على أبنائه أن يصيبهم ما أصابه فيحبسهم في البيت .. يقوم بإخراج ابنته الصغيرة من المدرسة خوفاً عليها من الأذى المتخيل .. لقد مات سالم على الأرجح خلف القضبان والذي خرج هو الشخص الميت الذي يمشي على قدمين وقلب لا يعرف الحياة

*** 

قبل أن نفتح الباب المعتم أريد أن أؤكد بأن ما سيدون هنا لن يكون أكثر من " بصقة " أحاول أن أمثل فيها دور الإنسان الذي كتب عليه أن يخرج من خلف الباب المعتم فيما عظامه وأسنانه وأظافر يديه وقلبه ورئتيه وكليتيه وكرامته كلها تساقطت على الطريق واحدة تلو الأخرى وهو غير قادر على أن يلملمها ويعيد أشياءه على النحو الذي كانت عليه ذلك لأن الذي خرج ليس هو الشخص عينه الذي سبق وأن دخل

***

" تلك العتمة الباهرة "
هي شهادة أخرى حيّة عن أدب السجون صاحبها هو الروائي المغربي الطاهر بن جلون والذي استمد أحداثها الواقعية واستلهمها من شهادة أحد معتقلي سجن " تزمامارت " حين زج به هو وكل الناطقين باسم  " الحرية والحياة " وذلك في العام 1971 لتتوقف سنوات عمره عشرين عاماً خلف أنفاق السجون وسراديبها وحتى لحظة خروجه 1991

أو كما يقول بنفسه على لسان البطل


" مولود جديد عليه التخلّص من ماضيه فقرّرتُ أن أكف عن استذكار أي شيء ، لم أعش خلال عشرين عاماً ، وذاك الذي كان موجوداً قبل العاشر من تموز 1971 قد مات ودُفن في مكان ما في جلٍ أو منبسط معشب

***

لا شك بأن الروائي الجميل عبد الرحمن منيف من أوائل من قاموا بتأسيس ما سمي بـ " أدب السجون" وهو الأدب الذي تمثل فيه فجيعة اكتشاف كل هذا الكم الهائل من التجارب القاسية والعنيفة من وراء القضبان على الرغم من أنه وكما ذكر بنفسه لم يقل كل شيء باعتبار أن الاقتراب إلى هذه الدائرة أشبه بالاقتراب من المحرمات ونوعاً من التعدي على هيبة السلطة التي تمارس دور الله على الأرض وتعتقد بأن لديها ما لديه من كتاب وحساب واعتراف وزبانية وزقوم وغسلين وجهنم وسلاسل ذرعها أكثر من سبعون ذراعاً لكن ما من جنة للتائبين .. فالجنة ليست مشاعاً إلا للجوقة والخونة والخائبين من لاعقي الأحذية وأشباههم

***

تقول المادة الخامسة من حقوق الإنسان " لا يعرض أي إنسان للتعذيب أو للعقوبات أو المعاملات القاسية أو الوحشية الحاطّة بالكرامة" ولكن مثل هذه العبارة المتحضرة لم تنجح في فرض نفسها حتى على مستوى الدول المتقدمة .. إذ لا تزال صور مأساة أبو غريب الصادمة ماثلة في الأذهان .. كنا نقرأ عن " أدب السجون " الخالي من الأدب فأصبحنا نرى صوراً عامرة " بقلة الأدب " من إنسان ما اتجاه آدمية الإنسان .. إنها متعة التعذيب التي يمارسها الأقوى على الأضعف وببطءٍ سادي مخيف

***

في هذه اللحظة التي أكتب فيها هذا الكلام أعلم بأن هناك ضحية ما في هذا العالم تصرخ وتئن وهي تحتضر من فرط الألم على يد الجلاد  .. إنه يرغب بالخلاص لا غير .. يتمنى لو تتوقف حياته .. لو يتوقف الوجود بأسره عن الوجود .. لأجله ولأجل كل الضحايا الذين في وضعه لا يسعني إلا أن أعتذر لجرحه الغائر.. ولا شيء سوى هذا

!لا شيء

 



في01,كانون الثاني,2008  -  02:29 مساءً, مجرد انسان كتبها ...

سلطاتنا السياسية نسخة من سلطاتنا الدينية التي تمارس الإقصائية ولا تقبل بما يخالف توجهاتها أبدا ..

والعجيب أن كثيرا من الحكومات العربية إلى جانب أمريكا كانت تدعم هؤلاء المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية .. ولم يكن الكثير منهم متطرفا بالأفكار المتشددة وإنما كان دافعهم الحماس الديني للجهاد وسهله دعم الحكومات ..

وأما القاعدة فقامت في نهاية التسعينيات بتحالف بن لادن مع قيادات مصرية من جماعة الهجرة والتكفير المصرية وعلى رأسهم الظواهري وتبلور حينها الفكر المشتدد بصورة أوضح .. لذا فإن كثيرين ممن شاركوا في الحرب في الثمانينيات لا يحملون فكر القاعدة لأنها نشأت لاحقا ولم يكن أكثرهم "غسل مخه" بفكر القاعدة .. وإنما تم غسيل المخ نتيجة دعم الحكومات حينها لهم بعاطفة الجهاد وقتال الملحدين الشيوعيين المحتلين

وهو ما قامت به أيضا سلطات الأمن في الامارات عقب تفجيرات سبتمبر باعتقال كل من ذهب إلى أفغانستان بغض النظر إن كان موافقا أو معارضا لفكر القاعدة ..

نحن نواجه في حرياتنا بالخنق والاقصاء والاغتيال الجسدي والمعنوي من قبل الكهنوت السياسي والكهنوت الديني !

لكن لماذا أنا كفرد اناضل علانية ضد الاحتكار السياسي لعوائل مقدسة للحكم وتبذير المال العام وغير ذلك ثم يتم نفيي بساطة من العدم ! من سيكترث لما أدعو إليه من الأفراد ؟؟ هل هم يحسون بما ادعو إليه واسعى لتحقيقه ؟؟
وهو نفس الأمر إن قمت بإعلان آرائي الدينية بصراحة ضد الفكر الديني السائد فحتما سأواجه بالتكفير والتضليل على أقل تقدير ! وسيكون المجتمع متحاملا ضديي في صف الكهنوت الديني ؟؟

مشكلة سجناء الرأي في عالمنا العربي أنهم مظلومون من قبل شعوبهم أكثر من الظلم الواقع عليهم من السلطات السياسية ! فهم لا يلقون بالا إلى النضال الذي يقوم به هؤلاء الأفراد من أجلهم ! أين هي المظاهرات المطالبة بالافراج عنهم ؟ أين هي الضغوط الشعبية المطالبة بالتحقيق معهم بأساليب انسانية ؟ جميعنا يعلم مثلا موقع سجن ابوغريب او جوانتنامو لكن لا أحد يعلم مكان سجن مخيرز مثلا ؟!!
من سيهتم بهم فقط هم عوائلهم التي يكون غاية مطلبها هو الإفراج عن السجين فقط

الرهان في رأيي الشخصي هو نشر الوعي بين شعب ميت حتى يحيا بالمعرفة والإدراك بأمور بدهية لأن التغيير لا يمكن أن يتم سوى بوجود قاعدة شعبية تؤمن بذلك وتدعمه ..

تحياتي لك

في03,كانون الثاني,2008  -  10:20 صباحاً, مريم كتبها ...

مجرد إنسان .. تحية طيبة تليق بك أولاً



أعتقد بأن أغلب الانقلابات والثورات والتغيرات السياسية التي طرأت على التاريخ سواء السلمية منها أو الحربية بدأت وانطلقت شراراتها عبر أفراد نجحوا في تأجيج روح الشعب ضد الأنظمة الحاكمة وكانوا قبل ذلك قد دفعوا ثمن عصيانهم بوسائل شتى كالتعذيب والنفي والتهديد والطرد والسجن وما إلى ذلك إلا أن إيمانهم بعدالة قضيتهم كان هو هو دافعهم الأسمى لتحمل الأذى والمشاق والنكبات التي تعرضوا لها على يد السلطة الحاكمة.. والزعيم الأفريقي نيلسون مانديلا والذي قضى 27 عاماً وراء قضبان السلطة يعد من الشواهد الماثلة في الأذهان عن مدى قوة التأثير الفردي في الجماعة وبالتالي التمكن من تحقيق ما كان قبلاً حلماً صعب المنال.

كذلك المناضل الاسكتلندي وليام والاس والذي قامت هوليوود بتجسيد قصة حياته إلى فيلم سبق وأن دفع حياته ثمناً من أجل نيل الحرية له ولأبناء شعبه وها قد صار رمزاً من رموز البطولة الوطنية

على مستوى الخليج العربي ثمة إصلاحيون كثر يسعون بشكل أو بآخر المحاولة في طرح قضايا تمس حرية الإنسان عبر مناحيها المختلفة .. وبين آونة وأخرى نسمع عن اعتقالات تحدث بشأنهم وتحرك منظمات حقوق الإنسان مع ملاحظة الصمت الشعبي الهائل المنشغل بالخبز اليومي .. بسبب النقطة التي أشرت إليها أنت ألا وهي غياب الوعي الحقيقي والإدراك بأن حكم الدولة لا يجب أن يكون احتكاراً لعوائل وأسر تتمتع بامتيازات خاصة تحرم الشعب منها أو تمن بها عليه متى ما رغبت هي بذلك .. بل هو حكم الشعب مثلما أن المال هو مال الشعب .. مثلما أن الأرض التي نشأ عليها وترعرع هي أرضه .. وكل ما يوزع عليهم تحت مسمى مزعوم وخادع باسم " مكرمات شيوخية أو ملكية أو أميرية " ليست إلا حقاً من حقوقه .. لا يجب أن ينتظرها كمتسول وشحاذ على أمل أن تأتيه بل يسعى هو لنيلها كمطالب لها بكل الوسائل الشرعية المتاحة والممكنة .. وقد يدفع الثمن اليوم لكنه سيكون مصدر فخرٍ لنفسه ولأبناء شعبه وللأجيال القادمة والتاريخ فيما بعد



تقديري العميق

في06,كانون الثاني,2008  -  10:18 صباحاً, مجرد انسان كتبها ...

مريم ما ذكرتيه صحيح من أمثلة .. لكن أغلبه تقريبا يشترك في وجود جماهير متعطشة للتغيير أو قابلة للتفاعل مع التغيير .. فالثورة لا مكان لها من دون قاعدة جماهيرية ومنه تنقلات تشي جيفارا ليجد مكانا قابلا للثورة ضد الرأسمالية حينها بوجود جماهير من الأفراد راغبين في التغيير ..

فمثلا في نهاية الستينات وبداية السبعينات قامت ثورة ظفار وتنامتو وقوت لوجود حاضنة شعبية لها كانت ناقمة على الحكم السلطاني وظلمه لها ثم بدأت بالضعف بعدها الذي كان بعض أسبابه هو الانشقاقات الشعبية في منطقة الثورة أي التوقف عن المضي في طريقة ثورة ظفار بعدما رأى مجموعة من الظفار التوقف عن الثورة والقتال بعد عزل السلطان الظالم حينها وتعيين قابوس بدلا عنه ..

المشكلة أن فردا لو قام بالنقد بوضوح وجراءة علنا لكالته الاتهامات الدينية قبل السلطوية بالخروج على الحاكم والابتداع والضلال إلخ وبين الخيانة الوطنية والارتداد عن الولاء لصاحب السمو أعني الوطن - لا فرق هنا للكثيرين ! - وهو ما سيردده الكثير من الأفراد فلن يكون لما قام به هذا الفرد أي أثر حقيقي في المجتمع ! فحتى تضحيته من أجل الناس ستقابل باللعنة وأن هذا مصير الخوارج إلخ ! مع ان دعوة الفرد كانت في الحقيقة سلمية في التعبير عن رأيه وحتى في دعوته للتغير بصورة سلمية !

ولماذا يهتم المرء للمستقبل بهذه الطريقة وأن يذكر في التاريخ ربما بعد قرون ؟؟ ماذا يعني له الفخر وهو ميت ؟!! ما يهمه هو أن ينشر الوعي العقلاني في المجتمع حتى يكون للجيل الذي يليه او بعده الشرف في التغيير بطريقة منطقية صحيحة لمجتمع عصراني متوازن شفاف .. فنحن لازلنا نعيش هنا في القروسطى ! فمن الخطأ أن احرق المراحل وانادي بين الناس علنا بالدعوة إلى تداول السلطة وتشكيل أحزاب سياسية وإلى حرية الفرد الشخصية إلخ وهي دعوات متقدمة جدا على مجتمع يعيش بعقول ما قبل الحداثه حتى وإن كان يلتحف بقشور عصرية !

تحياتي

في24,آذار,2008  -  12:20 مساءً, محمد العربي حوحو كتبها ...


موضـــــــــــــــــــــــــــــــوع :

عن السجين السياسي .. و أدب السجون

رائـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــع

و أسلــــــــــــــوب مؤثّــــــر

و يمكن لك أن تنجحي نجاحا باهرا إذا خصصت مدونة كاملة حول السجين عبر العصور


تقبّلي تحياتي