مكاناً قصيّا

السبت,كانون الأول 29, 2007


 

 

أذكر أني كنت طفلة نحيلة ومفرطة في حساسيتها عندما راودتني فكرة الانتحار بعد عقاب أبي لي على شيء ارتكبته دون قصد  أو ربما لم أرتكبه في الأصل ولكن كان على أحدهم أن يدفع الثمن حتى وإن بدا بريئاً من الذنب وكان هذا الأحد هذه المرة هو أنا.

_ سأعاقبك يا أبي .. وسترى كم هو مؤلم عقابي .. سأعذبك إلى الأبد.

 

كان الوقت ليلاً .. أذكر ذلك جيداً وكنت أرتدي فستاناً أحمر قانياً يضم فيه خصري النحيل بربطة شريطية تنسدل أسفل ظهري .. أذكر بأني أمسكت بزجاجة دواء الأطفال وتجرعت ما بها إلى النصف كما لو أنّه سم  مرير .. كان دواء ذا طعم لاذع وبذيء  حتى أني بقيت لدقائق أحاول أن أتخلص من مرارته التي نشبت في حلقي ولكن لم أستطع  .. كنت أنتظر الألم الذي سيبدأ بعد قليل وحين تأخر بدأت أقلق بشكلٍ جدي .. أردت أن أتعرف على عوارض الموت الذي سيجيء في أية لحظة ويقتنص روحي بلا شفقة أو حب .. كنت أشعر بأني مرتفعة عن الأرض كغيمة وكنت حزينة لأني سأترك خلفي حياة قصيرة وسيرة طيبة وحزمة من الإخوة والصديقات وبقية من مسلسلات كرتون لم تكتمل حلقاتها بعد.

فكرت بأبي أولاً  .. وبدأت أتخيله وهو يحمل الجثة الصغيرة المتدلية الرأس والقدمين إلى مثواها الأخير .. عاجزاً عن البكاء وذاهلاً تماماً عما حوله وهو يلفظني إلى المقبرة بعينين حمراوين من فرط البكاء و فم نادم على كل لحظة صراخ ارتكبها في وجهي الجبان مما جعلني أنغمس منه في خوفٍ لا يغيب.

نادراً ما سمعت صوت أبي وهو يبكي .. صوته مثل صوت رجل جريح في معركة خاسرة وهو ينازع الموت.

راق لي الأمر كثيراً فاستلقيت على الأرضية المفروشة بالسجاد كاستلقاء الموتى وتصرفت مثلهم تماماً ولم أتحرك .. كنت أعرف طريقة موتهم من الأفلام والمسلسلات التي رأيتها وعلقت مشاهدها في ذهني .. حاولت اختيار أكثر المشاهد واقعية .. رفعت نظري إلى السقف حيث تدور المروحة وحاولت ألا أرمش بجفني أو أتنفس لكني فشلت .. انتقلت بمخيلتي نحو مشهد آخر حيث والدتي التي سينفطر قلبها علي .. كان المشهد الذي تظهر فيه والدتي مشهداً أكثر عاطفية وهي تتوسط جمعاً من النسوة الحزينات والثرثارات و تضرب بكلتا يديها على رأسها أولاً ثم تهبط بهما على صدرها وتصرخ باكية تناديني باسمي غير مصدقة بأني فارقت الحياة وأنا لا أزال طفلة صغيرة عوقبت قبل موتها دون ذنب فتعذبت ورحلت وهي حزينة وغير راضية عن أبويها الذين فطرا قلبها قليلاً فقررت أن تشطر قلبيهما إلى نصفين.

ولا بد أنها ستقول شيئاً عني لتزيد من آلامها كون ذلك واجباً أمومياً بالضرورة  .. قد تتذكر علبة الموسيقى التي كانت على شكل قطعة همبرجر والتي رجوتها أن تشتريها لي لأني رغبت بها بقوة أكثر من أي شيء آخر في الحياة.. ولكنها لم تفعل لأنها كانت منشغلة بمشترواتها الكثيرة.. طلبت منها مرارا أن تنتبه للعلبة التي على الرف ولكنها تجاهلتني حتى آخر لحظة عندما دفعت الحساب وخرجت ولم تلتفت.

حين عدنا إلى المنزل نظرتُ إليها بوجه حزين:

_ ليش ما اشتريتي علبة الموسيقى؟

_ وليش ما خبرتيني؟

_ قلت لج وما سمعتيني.

_ انزين..المرة الياية يوم بنسير ذكريني اشتريها لج.

_ خلاص يا أمي  .. ما أريدها الحين.

ثم أنسحب من أمامها مثل طيفٌ شاحب لا يرغب بأن يراه أحد!

سوف تسترجع كل هذا ويزداد حزنها .. وسوف تتمنى لو يعود الزمن إلى الوراء بضعة أشبار .. حيث أنا وهي في محل التسوق وهي ترجوني أن أختار ما أشاء من ألعاب بقلب محب.

لا أنسى ذلك المذاق السادي الذي استشعرته وأنا أتخيل العذاب الذي سيحيق بجميع أولئك الذين عرفوني قبل موتي أو أولئك  الذين سيعرفونني أكثر بعد موتي وسيحبونني أيضاً متأسفين على رحيلي وهم يبكون من انطفاء عمري القصير لأنهم لم يمنحوني ما يضفي علي ويحثني على البقاء بينهم .. وكلما أفرطت مخيلتي في استحضار عذاباتهم وعويلهم الذي لا ينقطع كلما ازددت نشوة وازدادت رغبتي في الرحيل.

لم أحتمل هذا الشعور المثقل بالصحة والحزن والانتظار معاً .. بدأت أبكي بمرارة لأن جسدي لم يستشعر الوجع الذي كنت أنتظره .. لم أشعر بأية بادرة من السيد الموت يستعطفني فيها ويدعوني إليه .. أردت بكل جوارحي أن أرافقه فنهضت من مكاني وبدأت أدور حول نفسي كما المروحة التي من فوقي وتتسع دائرة فستاني معي  بشكل صوفي فيما تنفرط  دموعي وأنا من الخفة بحيث لم أعد أحتمل نفسي.. كنت أرغب في الحصول على حفنة ألم  حقيقية إلى أن أصابني دوار عنيف أسقطني أرضاً و لم أستطع النهوض من شدة التعب.

_ تعال يا موت .. تعال خذني إليك.

 

لكنه خذلني بشدة  وتخلف عن المجيء.. لقد عبث بي قليلاً وكأنني لعبته المفضلة ثم دفعني بقسوة بعيداً عنه وبالطريقة ذاتها التي يفعلها البشر مع أطفالهم وحيواناتهم بعد أن يفرغوا عواطفهم المشحونة فيهم.

قهقه السيد الموت عالياً وتركني وحيدة مع فضلات مخيلتي ورحل.

 

 

 

 

 

 



في06,كانون الثاني,2008  -  10:27 صباحاً, مجرد انسان كتبها ...

أسلوبك قصصي جميل جدا ..

في28,كانون الثاني,2008  -  07:45 مساءً, مريم كتبها ...

سعيدة لأنها أعجبتك .. على الرحب بك دائما