هذا المساء لم أحتمل أكثر .. انفجرت شرارة روحي فجأة ودون أن أتوقع ذلك أو أخطط له .. صرخت: دعوني وشأني .. ثم أمسكت بجهاز الهاتف المحمول ورميته بكل ما أوتيت من قوة على الأرض ليتناثر إلى أشلاء ويلفظ ما تبقى فيه من ضوء
بكيت .. أعترف بأني كنت أبكي بشكلٍ هستيري وأنا أطلب من أمي وأرجوها أن تتركني لوحدي وألا تعاملني كما لو أني لا زلت في الثامنة من عمري، كانت لا تزال واقفة وهذه المرة متلعثمة أمام هذا الحزم الصارم الذي لم يسبق لها أن رأته .. لم تكن تعلم شيئاً عن الشرارة الصغيرة التي خبأت نفسها بحرص في قاعي، لقد انفجرت شرارتي تماماً حين أتت هي من بعيد وبصوتٍ شبه غاضب تقول بأني أرتكب خطأً حين لا أحترم رجال الدين وبأنها ليست متأكدة إن كنت أؤدي صلواتي بانتظام .. أجبتها بأن هذا الأمر شأن داخلي بيني وبين الله .. ونعم يا أمي لا أكترث للدعاة والمشائخ الذين يمارسون دور الله والأنبياء وينالون الحظوة والتقديس من عوام الناس وجهلائهم .. لا شيء يضيفه لي هؤلاء بل لا شيء يضيفونه حتى لأنفسهم باستثناء الشهرة وتحريك ريموت كونترول كامن في عقول البسطاء الذين يستشيرونهم في كل أمور دينهم ودنياهم مهما بدت تفاهتها بدءًا من طريقة أداء العطسة وصولاً إلى أحكام الحيض والنفاس .. كان صوتها محتقناً قليلاً وعيناها جاحظتان وذقنها مرتعشاً .. فما أقوله كلام خطير وكبير وعلى الأرجح هي مذعورة أن يكون ذلك سبباً في تخليدي في نار جهنم لأني آكل لحوم العلماء .. آكل لحومهم المسمومة .. بل إنه لشيء مضحك أن أكتشف بأن لحومهم مسمومة رغم أني لا آكلها بشهية بسبب رداءة طعمها وقلة جودته .. هذا إذا ما أضفت بأني أتمتع بمناعة قوية ضد كافة أنواع السموم التي تصادر حرية العقل وهو ما يقوم به هؤلاء الذين لم نستشعر لهم أي أثر حقيقي في مجالات الحضارة الإنسانية .. وهذا شبيه بما حدث في أوروبا حين قام الأوروبيون بتحييد دور الكهنة والقساوسة وتقليصه في حدود الكنيسة وبالتالي بدأت مؤشرات النهضة بالصعود حينها والوصول إلى هذه المرحلة من التقدم العلمي الذي لا يبدو بأننا سنصل إليه في الوقت الراهن بسبب حالة التخلف السياسي وسيطرة السلطان وعلماء السطان على مناحي الحياة العامة في أوطاننا .. كانت عيناي قد وقعتا على الهاتف الذي تحول إلى فتات دون أن أشعر بتعاطف معه أو أدنى شعور بالندم هذا إن لم أكن شعرت بالرضى الداخلي بما أن علاقتي بالهاتف لم تكن حميمة في يوم من الأيام .. فقليلة هي المكالمات التي تعبر إلي من خلاله وغالباً تكون للضرورة كأن تتصل بي والدتي لتسألني عن الغداء أو تصلني رسالة من شركة الاتصالات تعرض دعاية سخيفة من دعاياتها التي أتجاهلها بحنق ولا مبالاة .. أو يصلني دعاء جميل من صديقة ..لا شيء إذن يدعوني إلى الشعور بأية خسارات باستثناء خسارة الوقت الذي أحاول فيه الدفاع عن أفكاري التي تعبث في رأسي كثيراً لأصل إليها ومن المؤلم أن أضطر لأي ضغطٍ خارجي يحاول إجباري للتنازل عنها دون مبررات منطقية سوى أن لا تسامح لكل ما يتجاوز الخط الأحمر في الدين الذي يتزعمه ويدير اسطوانته أشخاص لا يختلفون عنا في شيء سوى ذلك الثوب الذي يرتدونه ليبدو مختلفين في عيون الناس وتلك اللحية التي يجيدون إرخاءها من أجل نيل حظوتهم .. الناس الذين اعتادوا منذ الولادة أن يمشوا في الجهة نفسها من الشارع .. ويبدو بأني أمضي في الجهة المخالفة .. جهة عكس الناس .. جهة المغامرة .. وحيدة وغريبة إلا من عزلتي بعد أن تركتني أمي أفعل ما أشاء وغادرت بهدوء في زيارة إلى منزل جدّي
كتبها مريم في 05:46 مساءً ::
لحوم العلماء مسمومة .. سيف يشهر في وجه "غير هؤلاء العلماء" حينما ينتقد أو يعترض على رأيهم .. وهذه المقولة أصلا لأحد هؤلاء العلماء !!
ولو كان القصد الغيبة .. فهي منبوذة على الجميع وليست حصرية لهم !
ومواجهة الاستبداد السياسي - بالرغم من الجهل السياسي والتقديس لرأس الهرم في مجتمعنا - أسهل من مواجة الاستبداد الديني !!
الاسم: مريم
