
قبل يومين تحدثتُ إلى صديقتي أطمئن على أخبارها وبدت على غير ما يرام .. سألتها عما بها فأجابتني بأن شقيقها الأكبر ضربها بقسوة وشتمها بشتائم نابية لأنها قامت بأخذ شقيقاتها الأصغر إلى نزهة خارج أسوار البيت بعد أن أصابهن طول الحبس بالاختناق .. والمفارقة أن صديقتي هذه كاتبة وأديبة يُشار إليها في الساحة الثقافية في الإمارات على أنها واحدة من جيل المبدعات الجدد .. ومن يقرأ كتاباتها يتخيل بأن هذه الفتاة تعيش وسط بيئة صحية نوعاً ما وتدعمها أسرة تقدّر إبداعها وتحرضها على المزيد من العطاء الإبداعي في أزهى صوره .. ولكن ما يحدث هو العكس تماماً .. فهذه الفتاة ولدت لتجد نفسها محاطة ببضعة ذكور وأبوين لم يرحبا كثيراً بتحمل مسؤولية تربية " بنات" في مجتمع لا تزال النظرة فيه نحو المرأة مثالاً لعنتريات الشرف وأبجديات العار
تنازل أبواها عن تربيتها تاركين عاتق هذه المهمة الكبيرة لإخوتها الذكور والذين لم يتوانوا عن ممارسة كل أنواع الكبت والقهر النفسي والجسدي ضدها .. فمنذ طفولتها المبكرة تم عزلها عن العالم الخارجي وبذلك صارت غرفتها وكتبها هما كل عالمها منذ الصغر .. تعلمت أن تبوح للأوراق بهمومها الصغيرة وحين كبرت اكتشفت بأن ما تقوم بتدوينه شيء يأسر الآخرين
فيما بعد وفي مرحلة الجامعة بدأت بالنشر .. كانت تنشر خلسة لأن شقيقها الأكبر قام باستجوابها وتعنيفها حين اكتشف كتاباتها قائلا: بنات الشوارع هن من يمارسن الكتابة والنشر .. وحين لمح اسمها ذات مرة في الصحيفة عاد لاستجوابها فاضطرت لأن تكذب عليه مؤكدة بأن الكاتبة فتاة أخرى والمسألة تشابه أسماء لا غير
بعد التخرج أتاحت لها الوظيفة التي عملت فيها متنفساً بسيطاً للهرب من أجواء الكآبة التي ظلت تلفها .. كانت سعيدة لأنها وجدت في عملها هذا ملاذاً خارج القفص رغم أن راتبها لم يكن ملكاً لها بل ملكاً لأسيادها الذين يردون كل خاطبٍ عنها بحجج تافهة وغير منطقية لمجرد أنهم لا يرغبون في التنازل بسهولة عن المصدر المالي لشخص آخر
ذات مرة اقتنت جهاز هاتف محمول خلسة عنهم .. وكانت تتحدث إلي من خلاله وتشكو لي من قسوة الحياة ومن الصداع الذي بات لا يفارقها ومن مواعيدها المؤجلة لدى الطبيب النفسي ورغبتها الآنية في موت سريع وحاسم يخلصها مما هي فيه
في إحدى المرات حين قام بضربها بشدة خبأت هاتفها في علبة حمام زيت مخافة أن يكتشف أمرها ويقوم بكسر ذراعها كما سبق له وأن فعل .. وفي المستشفى هددها وهو يقسم بأنه سيقتلها إن لم تتنازل عن المحضر بعد حضور الشرطة وهذا ما قامت به .. عندما أخرجت الهاتف من مكمنه كان قد تعطل
بكت كثيراً وهي تحدثني عن العوالم التي حرمت منها منذ الطفولة وتلك الأخرى التي لن تعيشها مثل أي فتاة في مقتبل شبابها
لم أكن في مزاج يسمح لي بمشاطرتها أية وليمة للحزن وأنا العاجزة عن لملمة أي جرحٍ مفتوح حتى وإن كان بحجم جرحها
قلت لها : اكتبي .. بإمكانكِ أن تنتصري عليهم بالكتابة
فأجابت متحسرة : ياااه يا مريم .. منذ سنوات وأنا أكتب وفي المقابل لا أتلقى سوى صفعات تشعرني باالمزيد من الانحطاط الروحي حيث الموت يغدو أمنية تستحق أن أقتنصها
صديقتي حالياً دخلت في مرحلة أقرب إلى الجنون .. تقول بأنها مؤخراً صارت ترى قططاً وأشخاصاً يتسللون من البانيو ولا تعرف كيف تتوقف عن رؤيتهم
وأنا أرى ما هو أشد رعباً من ذلك .. أرى حبل مشنقة تتدلى من السقف وفي نهايته مشروع إنسان لم تكتب له الحياة لأنه أنثى
كتبها مريم في 02:32 صباحاً ::
وهكذا نخلق جيلا قادما مشوها إن بلادنا أنت جت كل شىء بدءا من النفط ونهاية بالقمع، ونسيت أن أرضها كانت الحاضنة لأسمى حضارة إنسانية على مر الأزمان، والله عيب يندى له الجبين، سيدتى اكتبي لفضح هذا لأنه لا يليق بإنسانية الإنسان الذى كرمه الله
مهدي مصطفي
تنداري
( وأنا أرى ما هو أشد رعباً من ذلك .. أرى حبل مشنقة تتدلى من السقف وفي نهايته مشروع إنسان لم تكتب له الحياة لأنه أنثى)
سيدتي:
اليس هذا اجحاف!؟
المجرم المدَان بالأعلى .. نموذج يكاد ينقرض من مجتمعنا الخليجي..
الأنها انثى كٌتِب لها ذلك..
لا يا سيدتي..
فقط لأن هناك رجل ..أو ذكر..إن صحةِ اللغة..أخرجَ نَبضهُ من ذمّته..
تَجرد من انسانيته ودينهِ .. وعقله..
فلا منطق..ولا قلب .. ولا رب .. يبرر له ما يٌجرم..
..
على الخصوص سيدتي أنّا في مجتمع تخلص من تلك الزوائد التي كانت تعثّره في وجه الأمام..
أعلم انه استبدلها بنقائص..
لكن لا بأس...
..
سيدتي..امسحي على رأس تلك الصديقة..وأجعلي لها مكانا ولو كان قصيا في حضنك\صدرك..
كوني تلك اليد البيضاء التي نأخذها منها\من سواد عالمها..
اظنها تحتاج لنافذة .. لتعود الى آدميتها التي سلبت..
فكوني تلك النافذة..التي تمتص أكسدة الواقع..
لا تندبي حالها فقط..بل اخرجيها منها..
..
تحياتي سيدتي..
وعذرا على الاطالة...وشكرا لـ"قووووقل"الذي أخذني الى هنا..
..
ورد
..
...........جسدٌٌ مُراق على قارعة انثى
الاسم: مريم
