كنت غارقة في النوم أو هكذا ظننت عندما استيقظت فجأة مذعورة وكأن هناك من سكب على وجهي ماءً بارداً أو تعمد إيقاظي ما بعد منتصف الليل، لمحت أشباحاً تلوح طيوفها أمام عيني وأنا أحاول طردها والعودة للنوم ولكن لم أستطع ذلك.
عندما أمعنت النظر فيها شعرت بحزنٍ عميق وبرغبة في البكاء وأنا أتأملها واحداً واحداً، كان وجه حسن الدقي أول تلك الوجوه التي لا زلت أسترجع حضورها الموشح بوقار تلك الابتسامة في براح الذاكرة،وأنا أسترجع ذلك الخبر العجيب في الصحيفة عن سبب اعتقاله فيما عقلي الذاهل لا يستوعب ما حصل؟!
لا يستوعبه أبداً واللـــه!
إذ كيف يمكن أن يتم تلفيق تهمة بالبشاعة التي تزعم أنه اغتصب خادمته الفلبينية لمجرد كونه يحمل آراءً سلمية في السياسة مهما تعارضنا معها من منظوره الخاص للإصلاح؟!
بأي منطق وبأي عقل نبرر ما تعرض له؟! بمنطق " الغاية التي تبرر الوسيلة "؟!
أم بمنطق " السياسة التي لا منطق لها في الأصل".
ولم عليه أن يدفع ثمن أخطاءٍ لم يرتكبها هو ومن معه؟!
وعندما أقول من معه فأنا أعني بأحد هؤلاء الدكتور منصور جاسم الشامسي الذي اعتقل في المرة الأولى وأفرج عنه لاحقاً ليعاد اعتقاله مجدداً ويوضع في زنزانة انفرادية متعرضاً لكافة صنوف الهوان من ضرب وشتائم وتهديدات انتهاء بالحكم عليه بالسجن لخمس سنوات في محاكمة غير عادلة، والله وحده يعلم ببقية الأضرار الجسدية والنفسية التي تعرض ويتعرض لها هؤلاء المساكين.
بت أكره كلمة مثل " اعتقل" ،" اعتقال" ،" معتقل" أشعر بأنها كلمات وضيعة وغير إنسانية ولها ضحايا في كل مكان، أتمنى أن تندثر من القاموس كي لا نسمع بها مرة أخرى ولا نشعر بالقلق من مجرد سماعها والاهتمام بمصير من يكون هذا حتفه.
إن الداخل إلى أي معتقل سياسي كما نعرف ولسوء حظه " مفقود" والخارج منه والذي على الأرجح أمه داعية له " مولود" سواء خرج سليماً أو خرج بعاهات نفسية وجسدية لا شفاء يرجى منها،هناك حيث يصل الامتهان والمساس بكرامة الإنسان إلى ذلك الحد الذي قد يصل به الأمر أن يتمنى الموت على البقاء حياً وسط ذلك الذل العظيم وتلك المهانة السافلة والتحقير الدائم لذاته.
عندما أسمع بخبر يدور حول اعتقال أحد النشطاء السياسيين في أي جزء من الوطن العربي أصاب بإحباطٍ حقيقي، وتسترجع ذاكرتي تلك القراءات التي كانت في مجملها تدور حول شرح الطرق التي يتفنن فيها " القامع" في السلطة بتعذيب الضحية " المقموع" والعمل على تحويله إلى مجرد حطام وبقايا إنسان،أتخيل شريطاً فاحماً يمر من أمامي مليئاً بالصراخ، بسواقي الدم، بروائح الرطوبة المظلمة، بالتجويع، بإطلاق الكلاب الجائعة،بشرب البول، باقتلاع الأظافر والجلد،بتعفن الجروح أو التهابها،بتراكم القمل على كامل الجسد،بإطفاء السجائر، بصواعق الكهرباء، بالشتائم التي تصل بذاءاتها إلى حد يستحي الأوادم من سماعها، بالحرمان من النوم لأيام، بالنوم وقوفاً،بالاغتصاب، بالتهديد بالاغتصاب، بانتزاع اعترافات زائفة تحت وطأة التعذيب،بمحاكمات غير عادلة تنتهي غالباً بأحكام مشددة أو بإعدام،ببث الرعب في النفوس عبر كل وسيلة متاحة، بكل ما لا يخطر على بال الإنسان بما هو إنسان ولكنه ببساطة عندما يخلع إنسانيته كما يخلع حذاءه ويزيحها جانباً ويرتدي بزة الجلاد حيث تنطلق ميوله الحيوانية ذات النزعة السادية ويكون بذلك قد اختار الدخول إلى عالمٍ معفّر بالاثم والوحشية وبكل ما هو دوني ومنحط وسافل، وخالٍ من كل أثرٍ للمغفرة والرحمة.
وفي اللحظة التي ينشغل فيها غالب الناس بالسعي وراء لقمة العيش وأحياناً وراء كل ما هو تافه وسطحي والركون إلى الزوايا الأكثر عتمة وهدوءاً وجبناً غير مكترثين بالقضايا المصيرية التي تمسهم من قريب أو بعيد، ثمة رجال فضّلوا أن يندفعوا نحو النور، نحو شمس ما اعتقدوه رغبة حقيقية في التعبير عن حبهم الجارف لهذه المساحة من الرمل المورق والذي يحمل فوقه كل أنواع التناقضات المضحكة، ليس أولها تناقض الخيمة التي تتضاءل قامتها يوماً بعد يوم وتتراجع أمام علو الأبراج الزجاجية الشاهقة.
هؤلاء القلة من الرجال الأحرار من فكر التابع الأعمى والمتبوع ، لا نملك إلا أن نزداد احتراماً لقاماتهم،وتبجيلاً للشجاعة المفرطة التي دفعتهم لأن لا يهابوا أي ثمنٍ علموا مسبقاً بأنهم سيدفعونه لاحقاً، وكم هو غالٍ وفادح هذا الثمن الذي يبدأ بنزع الحرية وقد لا ينتهي إلا بنزع الروح!
هؤلاء لم أختر الكتابة عنهم، ولم أختر أن أفكر فيهم، وقد حاولت انتزاعهم من ذاكرتي ولكني أخفقت بل و كدت أسلخ ذاكرتي معهم،فأمامهم أشعر بالخجل من نفسي وبالعجز والصَغااار.
كل ما أستطيع فعله لأجلهم هو ألا أنساهم، فمثل هؤلاء من الظلم أن يذهبوا طيّ النسيان والماضي.
وليرحمهم الله برحمته.
آه،كيف لإنسان أن يهنأ بنومٍ وجراح وطنه لا تزال مفتوحة لسطوة الملح والخراب؟!
كيف؟!
__________
رجالٌ في الشمس: عنوان رواية للأديب الفلسطيني الراحل غسان كنفاني.
كتبها مريم في 09:17 مساءً ::
وااااااااااااايد حلوة مواضيعك الله يعطيك العافية ادعوك لزيارة مدونتي المتواضعة واعطائي بعضا من ملاحظاتك وتعلقاتك
انا من مكة ةلنتي من اي امارة
انا اموت في امارة دبي وخاصة في ملك جمال الكون فزااااع يا حظك انتي في ديار الحبايب
انتظرك ........... وفي انتظار ملاحظاتك
الاسم: مريم
